عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

19

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( فائدة ) : قال علي رضي اللّه عنه : أكل السمك يذيب البدن . وفي نزهة النفوس والأفكار أكله يورث بلغما غليظا يضر بالبدن ، وأما المستخرج من البحر المالح فأكله ينفع من وجع الوركين والإكثار منه يورث البهق إلا إذا جعل عليه شيء من الزعتر والكراويا ، قال الغزالي رضي اللّه عنه : أكثر خلق اللّه السمك . ( فإن قيل ) : قال اللّه تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [ المائدة : 96 ] فما الفرق بين الصيد والطعام ؟ ( فالجواب ) : أن الصيد ما حصل بالشبكة مثلا والطعام ما قذفه البحر . ( فإن قيل ) : صيد البحر حلال لمن أحرم بحج أو عمرة بخلاف صيد البر فإنه حرام فما الفرق ؟ ( فالجواب ) : أن صيد البحر لا يقصد به التنزه بخلاف صيد البر والصيد عند الشافعي ما يحل أكله ، وسمى أبو حنيفة السبع صيدا فأوجب على المحرم ضمانه إذا قتله . ( حكاية ) : قال إبراهيم الخواص رضي اللّه عنه : خرجت أطلب الحلال فأخذت شبكة وألقيتها في البحر فأخذت سمكة ثم ثانية ثم ثالثة فهتف بي هاتف يا إبراهيم لم تجد معاشا إلا فيما يذكرنا فقطعت الشبكة . وقال إبراهيم النخعي في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] يسبح له كل شيء حتى صرير الباب . وقال غيره : الآية عامة وهي مخصوصة بالناطق كقوله تعالى : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [ الأحقاف : 25 ] وما دمرت إلا ديار عاد . وكقوله تعالى في حق بلقيس : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] ولم تؤت ملك سليمان . وقيل الآية على عمومها فالناطق يسبح بالمقال والصامت بالحال وذلك بمجرد وجوده يشهد لصانعه بالصنعة . ورأيت في طبقات ابن السبكي رضي اللّه عنه أن الأرجح عندنا أنها تسبح بلسان المقال لأنه لا استحالة فيه ويدل عليه كثير من النقول قال اللّه تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) [ ص : 18 ] ولا يلزم من تسبيحها بالقال أن نسمعها . ورأيت في الوجوه المسفرة عن اتساع المغفرة الراجح أنها تسبح حقيقة إلا أنه مستور عن الناس فلا ينكشف إلا بخرق العادة . وقد سمعت الصحابة رضي اللّه عنهم تسبيح الطعام وغيره بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى في آخر الآية : إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] مناسب لحال المخاطبين بالآية من ثلاثة أوجه : أحدها أن الغالب على الناس الاشتغال عن تسبيح اللّه تعالى بخلاف المذكورات فاحتاج المشتغلون إلى الحلم والمغفرة . الثاني : أنهم لا يفقهون تسبيحها وقد يكون ذلك لتقصيرهم في التأمل والتفكر في أمرها فاحتاجوا إلى الحلم والمغفرة . الثالث : أن عدم سماعهم تسبيحها قد يوقعهم في امتهانها ويحملهم على التفريط في حقوقها فاحتاجوا إلى الحلم والمغفرة ، ولا شك أن من يستحضر في ذهنه تسبيح الموجودات أكرمها وعظمها من هذا الوجه وإن كان الشارع أمره باحتقارها من وجه آخر . ثم نقل بعد هذا حكاية فقال : أراد بعضهم أن يستجمر فأخذ حجرا فكشف اللّه عن سمعه حتى سمع تسبيحه فتركه تعظيما له ثم أخذ حجرا غيره فسمعه كذلك وهكذا كلما أخذ حجرا فلما سمع تسبيح جميع الأحجار توجه إلى اللّه تعالى في أن يستر عنه تسبيحها ليتمكن من إزالة النجاسة فستر اللّه عنه ذلك فاستجمر بها مع